محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
342
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فبقوا متحيّرين وقالوا : إنّا لمدركون والبحر أمامنا وفرعون خلفنا . قال موسى - عليه السلام - كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ فأوحى اللّه تعالى إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فلم يطعه ؛ فأوحى إليه أن كنّه ؛ فضربه بعصاه وقال : انفلق أبا خلد بإذن اللّه فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكلّ سبط طريق ، وأرسل اللّه الريح والشمس على قعر البحر حتّى صار يبسا ؛ فخاضت بنو إسرائيل البحر يمشي كلّ سبط في طريقه وعن جانبيه الماء كالجبل ؛ فلا يرى بعضهم بعضا ، وقال كلّ سبط قد قتل إخواننا أو غرقوا في الماء ؛ فأوحى اللّه - عزّ وجلّ - إلى جبال الماء أن اشتبكي ؛ فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض ، حتّى عبروا البحر سالمين ؛ وذلك قوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أي فلقنا وميّرنا الماء يمينا وشمالا . وَأَغْرَقْنا آلَ ( 148 ب ) فِرْعَوْنَ وذلك أنّ فرعون لمّا وصل إلى البحر فرآه منفلقا قال لقومه : انظروا إلى البحر قد انفلق لهيبتي حتّى أدرك أعدائي وعبيدي الذين اتّقوا منّي . ادخلوا البحر ! فهاب قومه أن يدخلوه ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى وكلّها فحول ؛ فجاء جبرئيل - عليه السلام - على برذون وديق ، فتقدّمهم وخاض البحر ؛ فلمّا شمّت خيول فرعون ودقّها اقتحمت البحر على أثرها حتّى خاضوا كلّهم ؛ وجاء ميكائيل - عليه السلام - على فرس خلف القوم يشحذهم ويقول لهم : ألحقوا بأصحابكم ؛ حتّى إذا خرج جبرئيل - عليه السلام - من البحر وهمّ أوّلهم أن يخرج ، أمر اللّه تعالى البحر أن يأخذهم ؛ فالتطم عليهم ، فأغرقهم أجمعين ؛ وذلك بمرأى من بني إسرائيل ؛ وذلك قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي إلى مصارعهم . وروى معمّر عن قتادة قال : تبعهم فرعون على ألفي ألفي ومئتي ألف حصان ؛ وروى عكرمة عن ابن عبّاس : في ألف ألف حصان سوى الإناث ؛ وقال سعيد بن جبير : كان مع موسى ستّمائة ألف وسبعون ألفا ؛ وقال قيس بن عباد : كان مقدّمة فرعون سبع مائة ألف حصان ، وكان على رأس فرعون بيضة وفي يده حربة وهو خلفهم في الدهم ؛ وقال السدّي : فتقدّم هارون ، فضرب البحر ، فأبى وقال : من هذا الجبّار الذي يضربني ؟ ! حتّى أتى موسى ، فكنّاه ، فضربه ، فانفلق .